ابن كثير
104
البداية والنهاية
على أبي حنيفة القضاء والمظالم فامتنع ، فحلف أن لا يقلع عنه حتى يعمل له ، فأخبر بذلك أبو حنيفة فدعا بقصبة فعد اللبن ليبر بذلك يمين أبي جعفر ، ومات أبو حنيفة ببغداد بعد ذلك . وذكر أن خالد ابن برمك هو الذي أشار على المنصور ببنائها ، وأنه كان مستحثا فيها للصناع ، وقد شاور المنصور الأمراء في نقل القصر الأبيض من المدائن إلى بغداد لأجل قصر الامارة بها ، فقالوا : لا تفعل فإنه آية في العالم ، وفيه مصلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب . فخالفهم ونقل منه شيئا كثيرا فلم يف ما تحصل منه بأجرة ما يصرف في حمله فتركه ، ونقل أبواب قصر واسط إلى أبواب قصر الامارة ببغداد . وقد كان الحجاج نقل حجارته من مدينة هناك ( 1 ) كانت من بناء سليمان بن داود ، وكانت الجن قد عملت تلك الأبواب ، وهي حجارة هائلة . وقد كانت الأسواق وضجيجها تسمع من قصر الامارة ، فكانت أصواب الباعة وهوسات الأسواق تسمع منه ، فعاب ذلك بعض بطارقة النصارى ممن قدم في بعض الرسائل من الروم ، فأمر المنصور بنقل الأسواق من هناك إلى موضع آخر ( 2 ) ، وأمر بتوسعة الطرقات أربعين ذراعا في أربعين ذراعا ، ومن بنى في شئ من ذلك هدم . قال ابن جرير : وذكر عن عيسى بن المنصور أنه قال : وجدت في خزائن المنصور في الكتب أنه أنفق على بناء مدينة السلام ومسجدها الجامع وقصر الذهب بها والأسواق وغير ذلك ، أربعة آلاف ألف وثمانمائة ألف وثلاثة وثمانين ألف درهم ، وكان أجرة الأستاذ من البنائين كل يوم قيراط فضة ، وأجرة الصانع من الحبتين إلى الثلاثة . قال الخطيب البغدادي : وقد رأيت ذلك في بعض الكتب ، وحكى عن بعضهم أنه قال : أنفق عليه ثمانية عشر ألف ألف فالله أعلم . وذكر ابن جرير أن المنصور ناقص أحد المهندسين ( 3 ) الذي بنى له بيتا حسنا في قصر الامارة فنقصه درهما عما ساومه ، وأنه حاسب بعض المستحثين على الذي كان عنده ففضل عنده خمسة عشر درهما فحبسه حتى جاء بها وأحضرها وكان شحيحا . قال الخطيب : وبناها مدورة ، ولا يعرف في أقطار الأرض مدينة مدورة سواها ، ووضع أساسها في وقت اختاره له نوبخت المنجم . ثم ذكر عن بعض المنجمين قال : قال لي المنصور لما فرغ من بناء بغداد : خذ الطالع لها ، فنطرت في طالعها - وكان المشتري في القوس - فأخبرته بما تدل عليه النجوم ، من طول زمانها ، وكثرة عمارتها ، وانصباب الدنيا إليها وفقر الناس إلى ما فيها . قال : ثم قلت له : وأبشرك يا أمير المؤمنين أنه لا يموت فيها أحد من الخلفاء أبدا . قال : فرأيته يبتسم ثم قال : الحمد لله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . وذكر عن بعض الشعراء أنه قال في ذلك شعرا منه :
--> ( 1 ) يقال لها مدينة الزند ورد ، وفي معجم البلدان ( بغداد ) : بزند ورد ( 2 ) قال ابن الأثير 5 / 574 : وقيل : إنما أخرجهم لان الغرباء يطرقونها ويبيتون فيها وربما كان فيهم الجاسوس . ومن يتعرف الاخبار أو أن يفتح أبواب المدينة ليلا لموضع السوق ( انظر الطبري 9 / 262 ) . ( 3 ) وهو خالد بن الصلت وكان أبو جعفر قد ولاه النفقة على أحد أرباع المدينة وهي تبنى .